الصفوف في الصلاة الجماعة

فصل
وإذا لم تكن الصفوف مستوية سوّاها الإمام وغيره, إلا أن الإمام أخص بذلك؛ لأنه الراعي, قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: «تَرَاصُّوا وَاعْتَدِلُوا» , وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ, فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ» متفق عليهما.
وعن محمد بن مسلم بن السائب, صاحب المقصورة, قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك يوماً فقال: هل تدري, لم صنع هذا العود؟ فقلت: لا والله, فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة أخذ يمينه ثم ألتفت, فقال: «اعْتَدِلُوا سَوُّوا صُفُوفَكُمْ» ثم أخذ بيساره فقال: «اعْتَدِلُوا سَوُّوا صُفُوفَكُمْ» رواه أبو داود.
وعن النعمان بن بشير قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُسَوِّي صُفُوفَنَا إِذَا قُمْنَا لِلصَّلاَةِ فَإِذَا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ» رواه أبو داود, وعن عمر رضي الله عنه «أنه كان إذا أقيمت الصلاة استقبل القوم ثم يقول: يا فلان, تقدم, يا فلان، تأخر, سوّوا صفوفكم, استووا. ثم يقبل على القبلة فيكبر» رواه سعيد, قال الترمذي: وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان يتعاهد ذلك ويقول: استووا, وكان يقول: تقدم يا فلان, تأخر يا فلان.
وعن نافع «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ, فَإِذَا جَاءُوهُ فَأَخْبَرُوهُ بِأَنْ قَدِ اسْتَوَتْ كَبَّرَ». رواه مالك. وعن سهل ابن مالك عن أبيه قال كُنْتُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَأَنَا أُكَلِّمُهُ فِي أَنْ يَفْرِضَ لِي, فَلَمْ أَزَلْ أُكَلِّمُهُ وَهُوَ يُسَوِّي الْحَصَا بِنَعْلَيْهِ, حَتَّى جَاءَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ, فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الصُّفُوفَ قَدِ اسْتَوَتْ فَقَالَ لِي اسْتَوِ فِي الصَّفِّ. ثُمَّ كَبَّرَ. رواه مالك.

 وقال أحمد في رسالته [وأمر أبا عبد الله] الإمام أن لا يكبر أول ما يقوم مقامه للصلاة, حتى يلتفت يميناً وشمالاً, فإن رأى الصف معوجاً, والمناكب مختلفة, أمرهم أن يدنو بعضهم من بعض حتى تماس مناكبهم. واعلم أن اعوجاج الصفوف واختلاف المناكب ينقص من الصلاة وأن الفرجة التي تكون بين كل رجلين تنقص من الصلاة, فاحذروا ذلك.
وذكر بعض أحاديث الصفوف, وابن عمر الذي رواه مالك, قال: وروي أن بلالاً كان يسوي الصفوف, ويضرب عراقيبهم بالدرة حتى يستووا, قال بعض العلماء: قد يشبه هذا أن يكون من بلال على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عند إقامته قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الحديث جاء عن بلال أنه لم يؤذن لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا يوماً واحداً إذا أتى مرجعه من الشام, وذكر قصة تأذين بلال بالشام.

 فصل
والمسنون للصفوف خمسة أشياء, مبناها على أصلين, على اجتماع المصلين, وانضمام بعضهم إلى بعض, وعلى استقامتهم واستوائهم؛ لتجتمع قلوبهم وتستقيم, ويتحقق معنى الجماعة الذي هو اجتماعهم في الصلاة مكاناً وزماناً.
قال أبو عبد الله: تسوية الصفوف ودنو الرجال بعضهم من بعض, من تمام الصلاة, وترك ذلك نقص في الصلاة.
أحدها: تسوية الصف وتعديله وتقويمه, حتى يكون كالقدح, وذلك يحصل بالمحاذاة بالمناكب والرُّكَب والكِعاب, دون أصابع الرجلين.
والثاني: التراص فيه وسد الخلل والفُرج, حتى يلصق الرجل منكبه بمنكب الرجل, وكعبه بكعبه.
الثالث: تقارب الصفوف ودنو بعضها من بعضٍ, حتى يكون سجود المؤخر خلف مقام المقدم, من غير ازدحامٍ يفضي إلى أذى المصلين.
والرابع: تكميل الأول فالأول, تحقيقاً للاجتماع, والدنو من الإمام.
والخامس: توسط الإمام, وهو أن يكون في وسط الصف.

وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهُ الْحَذَفُ» رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» , وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه, وقدمه بقدمه, متفق عليه, والسياق للبخاري. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِوَجْهِهِ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثِلاَثًا وَاللهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يَلْزَقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ وَمَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِهِ. رواه أحمد وأبو داود وهو في «الصحيحين» بقريب من معناه, وأحاديث الباب كثيرة, ربما يتم أمرها إن شاء الله في موقف الإمام والمأموم.

 فصل
والمستحب في حال القيام أن يفرق بين قدميه, فيما ذكره أصحابنا, وهكذا كان أبو عبد الله يفعل, لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنه رأى رجلاً صافاً بين قدميه فقال: أخطأ هذا السنة, لو فرج بينهما كان أفضل. ومثل ابن مسعود إذا أطلق السنة فإنما يعني به سنة النبي صلى الله عليه وسلم, أنه علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا يفرج بين قدميه, ولا يمس إحداهما الأخرى, ولكن بين ذلك. رواهما أبو بكر النجاد.
وعن ابن عمر قال: لا تقارب ولا تباعد.

وعن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن قال: كنت مع أبي في المسجد - يعني مسجد البصرة - فنظر إلى رجل قائماً يصلي, قد صف بين قدميه, وألزق إحداهما بالأخرى, فقال: إبي لقد أدركت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ما رأيت أحداً منهم صنع هكذا قط. رواهما الخلال.

Comments

Popular Posts